الشيخ الدبوس: خارطة طريق للداعية في مواجهة الفتن

الشيخ الدبوس: خارطة طريق للداعية في مواجهة الفتن

14 Jan 2026

مشاركة:

في أجواء إيمانية مفعمة بروح الأخوة والتواصي بالحق، نظم قطاع الدعوة والتثقيف الشرعي بجمعية الإصلاح الاجتماعي، مساء الثلاثاء 6 يناير 2026م، ديوانيته الشهرية الدعوية، بعنوان «دور الداعية في مواجهة الفتن»، واستضافت فضيلة الشيخ الداعية أحمد الدبوس، بحضور نخبة من المشايخ وطلبة العلم والدعاة.

الداعية في زمن الفتن

استهل اللقاء رئيس قطاع الدعوة والتثقيف الشرعي د. حمد المزروعي بكلمة، مخاطباً الدعاة وطلبة العلم والمشايخ، في الملتقى الدعوي الشهري: إن هذا اللقاء المتجدد يجمعهم شهرياً مع أحد رموز الدعوة لطرح القضايا التي تمس جوهر عمل الداعية إلى الله، مؤكداً أن موضوع اللقاء يتمحور حول دور الداعية في مواجهة الفتن التي باتت تحيط بالناس من كل جانب.

وأوضح أن الفتن سُنّة إلهية للاختبار والتمحيص، مستشهداً بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) (المائدة: 94)، مبيناً أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قادرين على الصيد بأيديهم ورماحهم وهم محرمون، لكنهم امتنعوا طاعة لله وخشية منه بالغيب.


د. حمد المزروعي (يميناً) متحدثاً إلى جانب الشيخ أحمد الدبوس

وأشار إلى أن واقع اليوم لا يختلف في جوهره، إذ أصبحت الفتن قريبة من الناس، تنالها الأيدي وتحيط بهم عبر الوسائل الحديثة، لتتجلى الحكمة الإلهية في قوله: (لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)، مؤكداً أن الدنيا امتلأت بفتن الشبهات والشهوات التي يواجهها الإنسان في يومه وليلته.

وختم المزروعي بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي يكمن في دور الداعية؛ كيف يثبت أمام هذه الفتن؟ وكيف يتغلب عليها في نفسه أولاً؟ ثم كيف يؤدي رسالته في توعية الناس والدعوة إلى محاربتها بالحكمة والبصيرة؟

«لا تقل للدين: لا».. قاعدة الثبات الذهبية

من جانبه، أكد ضيف اللقاء الشيخ أحمد الدبوس أهمية الحب في الله كرابطة مقدسة تجمع الدعاة، مستذكراً مآثر رموز الدعوة الراحلين وتأثيرهم التربوي، موضحاً قاعدة ذهبية لمواجهة الفتن، استخلصها من تجارب الدعاة الربانيين، وهي: «إذا جاء أمر الله، فلا تقل للدين: لا».

وأوضح أن هذه القاعدة تمثل جوهر الاستسلام والانقياد التام لأوامر الله، فمتى ما طُلب من الداعية أمر فيه طاعة أو خدمة للدين؛ وجب عليه الاستجابة الفورية بقلب منشرح؛ لأن في ذلك تربية للنفس ورفعة للدرجات.

وحذر الدبوس من نوعين خطيرين للفتن يهددان مسيرة الداعية:

الأول: فتنة القعود؛ وهي أن يتسلل اليأس أو الكسل إلى نفس الداعية، فيقرر التقاعد مبكراً بحجة ترك المجال للشباب، متخلياً عن دوره الرسالي.

الثاني: فتنة الانتكاس؛ وهي الأخطر، حيث تؤدي بالمرء إلى ترك العمل الصالح بالكلية وخسارة الدنيا والآخرة.

سلم «الإيمان اليقيني».. الطريق إلى النجاة

ولتحصين النفس ضد هذه الفتن، طرح الشيخ الدبوس منهجية متكاملة أسماها «الإيمان اليقيني»، وتتكون من 10 مراتب متسلسلة، إذا حققها الداعية فقد حاز خيري الدنيا والآخرة، هي:

1- المعرفة الحقة بالله: وهي رأس الأمر، فلا يمكن عبادة من لا تعرفه يقيناً.

2- محبة الله: وهي الثمرة الطبيعية للمعرفة، محبة تقتضي تقديم مراد الله على هوى النفس والشهوات.

3- طاعة الله: فالمحب لمن يحب مطيع.

4- طلب رضا الله: بأن يكون هَمّ الداعية الوحيد «هل ربي راضٍ عني؟».

5- زيادة الإيمان: كنتيجة حتمية للطاعة والرضا.

6- صلاح القلب: فالقلب الملك والمحرك للجوارح.

7- صلاح الأعمال: إذا صلح القلب؛ استقامت الجوارح وصحت العبادات.

8- صلاح الأحوال: السعادة والسكينة التي يغمر الله بها حياة عبده المؤمن.

9- الفلاح في الدنيا والآخرة: وهي النتيجة الكلية لهذا المسار.

10- الفوز بالفردوس الأعلى: وهي الغاية العظمى لكل مؤمن.

وثّق العلاقة.. 10 خطوات عملية

وفي الشق العملي من المحاضرة، ونقلاً عن وصايا العلماء الربانيين كالشيخ محمد مختار الشنقيطي، قدم الشيخ الدبوس خارطة طريق لتوثيق العلاقة مع الله عز وجل، تتضمن 10 أعمال يومية ينبغي للداعية ألا يغفل عنها، هي:

1- كثرة السجود: مستشهداً بحديث ربيعة بن كعب الأسلمي وطلب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، حيث أوصاه: «أعني على نفسك بكثرة السجود».

2- دوام ذكر الله: بحيث يكون اللسان رطباً بذكر الله في كل حال، فهو الحصن الحصين.

3- تلاوة القرآن مع المدارسة: لم يكتفِ الشيخ بالحث على التلاوة، بل شدد على المدارسة واستخراج «آية التأثر» يومياً، ومشاركتها مع خليلٍ صالحٍ، لضمان تدبر القلب وحضور العقل، محذراً من القراءة الصامتة التي تغيب عنها الروح.

4- الدعاء العريض: استثمار مواضع السجود (التي قد تصل إلى 64 سجدة يومياً بين فرض ونفل) للإلحاح على الله بالدعاء، فالسجود هو أقرب مواضع العبد من ربه.

5- الصدقة: الحث على الكرم والإنفاق، فالصدقة برهان، والبخل آفة تمحق البركة وتورث الكراهية، مستذكراً مواقف تربوية عن التنافس في إطعام الطعام.

6- الصيام: لما فيه من كسر لشهوة النفس، وتهذيب للروح، وصحة للبدن، ومباعدة عن النار.

7- أعمال البر واغتنام الفرص: عدم تحقير أي معروف، سواء كان إماطة أذى عن الطريق أو مساعدة محتاج، فكل فرصة للخير غنيمة باردة.

8- محاسبة النفس: ضرورة وجود وقفة يومية جادة (في المساء أو عند الفجر) لمراجعة الحسابات، وتقييم الأداء، وتصحيح المسار قبل فوات الأوان.

9- نفع المتعدي: ألا يقف الخير عند الداعية، بل يجب أن يكون كالغيث حيثما وقع نفع، ينشر الخير ويعلم الناس.

10- علو الهمة (طلب الجنة): أن يضع الداعية نصب عينيه دائماً «سلعة الله الغالية»، فلا يرضى بالدون، بل يسعى بدأب وجدية نحو الفردوس الأعلى.

واختتم اللقاء بالتأكيد أن مواجهة الفتن ليست مجرد تنظير، بل هي «مشروع حياة» يتطلب مجاهدة مستمرة، وصحبة صالحة، ويقيناً راسخاً بأن ما عند الله خير وأبقى.